في عام 2009، تقدم شاب مهاجر يدعى "جان كوم" لطلب وظيفة في شركة "فيسبوك"، لكنه قوبل بالرفض. لم يكتفِ فيسبوك برفضه، بل سبقه "تويتر" إلى ذلك أيضاً. في تلك اللحظة، كان بإمكان جان كوم أن يشعر بالإحباط أو يظن أن مهاراته البرمجية لا قيمة لها، لكنه بدلاً من ذلك كتب تغريدة شهيرة قال فيها: "فيسبوك رفضوني، كانت فرصة جيدة للتواصل مع بعض الأشخاص الرائعين.. أتطلع للمغامرة القادمة". هذه "المغامرة القادمة" لم تكن سوى تأسيس تطبيق "واتساب"، الذي سيعود فيسبوك بعد سنوات ليشتريه بمبلغ فلكي قدره 19 مليار دولار. إنها القصة الأكثر إثارة في دليل قصص ريادة الأعمال والذكاء المالي.
بدأت حياة جان كوم في فقر مدقع؛ حيث هاجر من أوكرانيا إلى الولايات المتحدة وهو في السادسة عشرة، وكان يعيش مع والدته على قسائم الطعام الحكومية. هذا الماضي الصعب هو ما صقل "ذكاءه المالي" وتركيزه العملي؛ فقد كان يكره الإعلانات التي تشتت المستخدمين وتستهلك بياناتهم، ولذلك وضع مبدأً صارماً لواتساب منذ اليوم الأول: "لا إعلانات، لا ألعاب، لا حيل". في عالم ريادة الأعمال، يعتبر هذا تمرداً على النماذج الربحية السائدة، لكنه كان "رهاناً على القيمة" الصافية التي يحتاجها المستخدم: التواصل السريع والمجاني.
الذكاء المالي الذي أظهره جان كوم وشريكه برايان أكتون تجلى في "النمو العضوي". لم تنفق واتساب دولاراً واحداً على التسويق أو الإعلانات لسنوات طويلة. كان التطبيق ينمو بفضل جودته وحاجة الناس إليه. في الدليل الشامل للقصص التحفيزية، نعتبر هذه المرحلة درساً في "كفاءة المنتج"؛ فإذا كان منتجك يحل مشكلة حقيقية بعمق، فإن العميل سيصبح هو المسوق لك. ريادة الأعمال لا تعني دائماً صرف مبالغ ضخمة على الدعاية، بل تعني أحياناً بناء شيء لا يستغني عنه الناس.
عندما بدأت العروض تنهال لشراء واتساب، ظهر نوع آخر من الذكاء المالي وهو "الثبات على المبدأ". رفض كوم وأكتون عروضاً بمئات الملايين لأنهما كانا يؤمنان بأن قيمتهما السوقية ستتضاعف إذا حافظا على استقلالهما ونموهما. وعندما جاء "مارك زوكربيرج" (مؤسس فيسبوك) بعرض الـ 19 مليار دولار، اختار جان كوم مكاناً رمزياً لتوقيع العقد: "مركز المساعدات الاجتماعية" الذي كان يقف فيه يوماً ما منتظراً قسائم الطعام. كانت هذه اللحظة هي الانتصار النهائي للإصرار والذكاء الريادي.
تعلمنا قصة واتساب في دليل ريادة الأعمال أن القيمة المالية الكبرى تأتي من "البساطة". في وقت كانت فيه تطبيقات المراسلة الأخرى محشوة بالميزات غير الضرورية، ركز واتساب على ميزة واحدة وأتقنها حتى الكمال. رائد الأعمال الناجح هو من يعرف ماذا "يحذف" من مشروعه بقدر ما يعرف ماذا "يضيف". الذكاء المالي هنا يكمن في تقليل التكاليف التشغيلية (عن طريق فريق عمل صغير جداً) مع زيادة التأثير العالمي (مليارات المستخدمين).
علاوة على ذلك، تبرز القصة مفهوم "التحول من الرفض إلى الفرصة". لو حصل جان كوم على الوظيفة في فيسبوك، لكان اليوم مجرد مهندس برمجيات مرموق براتب ممتاز، لكنه لم يكن ليصبح مليارديراً يمتلك قرار نفسه. الرفض الوظيفي كان هو "الوقود" الذي دفعه للابتكار. في رحلتك عبر الدليل الشامل للقصص التحفيزية، عليك أن تدرك أن كل "باب يغلق" في وجهك هو في الحقيقة توجيه إجباري نحو باب أعظم ينتظر مهاراتك الخاصة.
جان كوم لم يغير فقط طريقة تواصلنا، بل غير قواعد اللعبة في وادي السيليكون. لقد أثبت أن شركة مكونة من 50 مهندساً فقط يمكنها أن تخدم نصف سكان الأرض وتحقق قيمة سوقية تفوق شركات طيران وبنوكاً عملاقة. هذا هو سحر "الرافعة التكنولوجية" والذكاء المالي المعاصر؛ حيث لم يعد رأس المال هو العائق الأكبر، بل أصبحت "القدرة على حل المشكلات" هي العملة الأغلى.
ختاماً، قصة واتساب هي رسالة لكل شاب يمتلك فكرة ولكن يواجه الرفض من المؤسسات الكبرى. لا تدع تقييم الآخرين لك يحدد قيمتك السوقية. ابدأ في بناء مشروعك، ركز على تقديم قيمة حقيقية للناس، وكن بسيطاً وصادقاً في رؤيتك. تذكر دائماً أن الذين رفضوكم اليوم، قد يضطرون لشرائكم غداً بمليارات الدولارات إذا آمنتم بأنفسكم وبذلتم الجهد المطلوب.
بانتهاء قصة "واتساب"، نكون قد أغلقنا قسم "ريادة الأعمال والذكاء المالي"، بعد أن أبحرنا في قصص بيزوس، وساندرز، وبافيت، وكوم. لقد تعلمنا أن المال يتبع الرؤية، وأن النجاح هو رحلة مستمرة من التعلم والنهوض بعد كل رفض.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق