الطالب الذي كان يخاف الامتحان أكثر من الرسوب
كان "سامر" يقف أمام باب القاعة، لكنه لم يكن يشعر بصلابة الأرض تحت قدميه. بالنسبة له، لم تكن المشكلة في "الرسوب" كفكرة أكاديمية، بل في تلك اللحظة التي يواجه فيها الورقة البيضاء؛ اللحظة التي يشعر فيها أن قيمته كإنسان مرهونة بما سيسيله حبر قلمه في الستين دقيقة القادمة.
حصار الجسد
داخل القاعة، كان الصمت ثقيلًا كأنه مادة ملموسة. شعر سامر ببرودة حادة تتسلل إلى أطراف أصابعه، تمامًا كأن الدم قرر فجأة الانسحاب من يديه ليتحصن داخل قلبه الذي كان يقرع طبولًا مضطربة خلف ضلوعه. انقباضة مألوفة في أعلى معدته جعلته يشعر أن جسده يضيق عليه، وأن الهواء المتاح في الغرفة لا يكفي لرئتيه اللتين تتحركان بآلية قصيرة ومتقطعة.
نظر إلى الورقة أمامه. لم تكن مجرد أسئلة، كانت تبدو له كفخ، كعين كبيرة تراقب ارتباكه. كان يخاف من تلك "القفلة" الذهنية، من اللحظة التي يتبخر فيها كل ما حفظه ليحل محله بياضٌ مرعب يشبه العدم.
حوار مع الخوف
في تلك اللحظة، وبدلًا من محاولة استحضار المعلومات بالقوة، تذكر سامر شيئًا مختلفًا. لم يحاول طرد الخوف، بل قرر أن يلتفت إليه. وضع كفه الباردة على الطاولة الخشبية، وشعر بملمسها الخشن. قال لنفسه بصوت داخلي هامس: "أنا أشعر بك يا خوفي.. أنت هنا لأنك تحاول حمايتي، لكننا الآن في أمان."
أغمض عينيه لثوانٍ. لم يفكر في الإجابات، بل فكر في رئتيه. تخيل أن أنفاسه هي موجات هادئة تضرب شاطئًا ساكنًا. مع كل شهيق، كان يشعر بالبرودة تدخل منخاريه، ومع كل زفير، كان يتخيل أن الانقباض الذي في معدته يرتخي قليلًا، كما تنفك عقدة حبل كانت مشدودة لسنوات.
الانعطافة الصغيرة
فتح عينيه. الورقة لا تزال هناك، لكنها لم تعد "وحشًا". هي مجرد ألياف خشبية معالجة، وعليها حبر أسود. أمسك القلم، لم تكن يده ثابتة تمامًا، لكنه لم يعد يمانع ذلك الارتجاف البسيط.
بدأ بكتابة اسمه. حرفًا بحرف. شعر بملامسة سن القلم للورق، وبصوت الاحتكاك البسيط. كان هذا الفعل الصغير هو جسره للعودة. أدرك في تلك اللحظة أن الامتحان ليس "محاكمة"، بل هو مجرد "حديث" بينه وبين ما تعلمه.
تذكر كلمات والده التي كان ينساها دائمًا تحت ضغط التوقعات: "أنت أكبر من أي ورقة يا بني". فجأة، بدأت المعلومات تتدفق ليس ككتل صلبة، بل كخيوط حريرية تنسل من ذاكرته بهدوء. لم يعد يهم أن يحل كل شيء بامتياز، كان المهم أنه "موجود" هنا، يتنفس، ويحاول، ويسمح لنفسه بأن يكون إنسانًا يخطئ ويصيب.
انفراج الشعور
حين انتهى الوقت وسلم ورقتة، لم يخرج سامر راكضًا كما يفعل عادة. خرج بخطوات وئيدة. تنفس هواء الساحة بعمق لم يعهده من قبل. لم يكن ينتظر النتيجة ليعرف قدر نفسه، فقد نال جائزته الكبرى بالفعل حين استعاد جسده من قبضة الذعر.
شعر بخفة في كتفيه، كأن حملاً ثقيلاً قد سقط عنهما. نظر إلى السماء الزرقاء وأدرك أن الحياة، تمامًا كالقاعة التي خرج منها، مليئة بالاختبارات، لكن السر لا يكمن في الإجابة الكاملة، بل في القلب الذي يرفض أن يظل محاصرًا.
رسالة طمأنة
"إلى كل من يشعر أن قيمته معلقة بورقة أو بتقييم أو بنظرة الآخرين: تذكر أن خوفك هو جزء منك، لكنه ليس 'أنت'. تنفس بعمق، اسمح لجسدك أن يرتخي، واعلم أن نجاحك الحقيقي يبدأ في اللحظة التي تقرر فيها أن تكون رحيمًا بنفسك، حتى وأنت في قلب العاصفة."
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق