قصة: ما قبل الجرس
كان الصباح باردًا على غير عادته.
لم يكن البرد في الهواء فقط، بل في أطراف أصابعه وهو يُزَرر سترته ببطء زائد، كأن الزمن يطالبه بشيء لا يريد الوصول إليه سريعًا.
في المطبخ، كانت أمه تضع الشاي على الطاولة وتقول دون أن تنظر إليه:
"افطر جيدًا، الامتحان يحتاج تركيزًا."
هزّ رأسه.
لم يستطع أن يقول لها إن معدته مغلقة منذ الفجر، وإن الامتحان لا يحتاج تركيزًا بقدر ما يحتاج قلبًا لا يرتجف.
أبوه كان صامتًا كعادته، يطالع هاتفه، لكن تلك النظرة الخاطفة التي ألقاها عليه حملت السؤال نفسه كل مرة:
هل أنت بخير؟ هل ستكون عند حسن الظن؟
لم يكن أحد يضغط عليه مباشرة، وهذا ما كان يؤلمه أكثر.
كان الضغط كله داخليًا، كثقل غير مرئي يجلس على صدره.
في الطريق إلى المدرسة، كان يراجع الدروس في ذهنه، لا ليستذكرها، بل ليطمئن نفسه أنه يعرفها.
كان يعرفها فعلًا.
لكن المعرفة لا تصمد طويلًا حين يبدأ الخوف بالهمس:
"وماذا لو نسيت؟
وماذا لو خذلك عقلك في اللحظة الحاسمة؟
وماذا لو اكتشفوا أنك لست كما يظنون؟"
دخل القاعة.
الرائحة المألوفة: أوراق، طباشير، توتر مكتوم.
جلس في مقعده الأخير، كعادته.
كان يحب أن يكون بعيدًا عن الأنظار، لأن الخوف عنده لا يحب الضوء.
حين قال المراقب: "استعدوا"، شعر أن نبضه انتقل إلى حلقه.
وحين قال: "ابدأوا"، حدث ما كان يخشاه:
فراغ.
ليس فراغ الجهل، بل فراغ الطمأنينة.
نظر إلى الورقة.
الأسئلة معروفة.
حرفيًا، يعرف إجاباتها.
لكن يده لم تتحرك.
في تلك اللحظة، لم يفكر في الرسوب.
فكر في أمه وهي تحاول أن تخفي قلقها.
في أبيه وهو يقول: "لا بأس، حاول مرة أخرى"، لكنه يسمع خلفها خيبة خفيفة.
فكر في نفسه بعد الامتحان، وهو يشرح لنفسه مرة أخرى لماذا خذله الخوف.
أغلق عينيه لثانية.
ثانية واحدة فقط.
لم يطلب من الخوف أن يرحل، بل قال له في داخله، بهدوء لم يتعوّد عليه:
"أعرف أنك هنا… لكن دعني أبدأ."
وضع القلم على الورقة.
كتب أول جملة، ببطء.
لم تكن كاملة، ولم تكن جميلة، لكنها كانت موجودة.
شيئًا فشيئًا، بدأ جسده يهدأ.
ليس لأن الخوف اختفى، بل لأن الحركة أعادت إليه الإحساس بالسيطرة.
كان كل سؤال يجيب عنه، كأنه يقول لنفسه:
أنا ما زلت هنا. لم أنهَر.
حين انتهى الوقت، لم يشعر بالنشوة.
لكن صدره كان أخف.
خرج من القاعة وهو يتنفس بعمق، كمن نجا من غرق لم يره أحد.
في البيت، سألته أمه:
"كيف كان؟"
تردد لحظة، ثم قال:
"كان صعبًا… لكنني حاولت."
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، لكنها صادقة.
وفي تلك الابتسامة، شعر بشيء لم يشعر به منذ زمن:
أنه ليس مطالبًا بأن يكون كاملًا ليُقبَل.
في تلك الليلة، وهو يضع رأسه على الوسادة، أدرك شيئًا بسيطًا:
أن الامتحان لم يكن عدوّه،
وأن الفشل لم يكن النهاية،
وأن الخوف… مجرد إحساس، لا حكم.
🌿 رسالة لك أنت
إن كنت تخاف الامتحان أكثر مما تخاف النتيجة،
فهذا لا يعني أنك ضعيف،
بل يعني أنك تحمل نفسك أكثر مما ينبغي.
ابدأ، حتى وأنت خائف.
اكتب أول سطر، حتى لو ارتجفت يدك.
الخوف يضعف حين تتحرك،
وأنت أكبر من اختبار،
وأهم من علامة،
وأصدق من أن تُختزل في ورقة.
أنت لست وحدك.
وكما مرّ هذا الطالب من القاعة وهو يتنفس أخف،
ستمرّ أنت أيضًا.
هل مررت بتجربة مماثلة ؟ شاركنا إياها في التعليقات لتعم الفائدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق