لماذا يسمح الله بالألم؟ قصة "صانع الفخار" والدرس الذي لم يتوقعه أحد

لماذا يسمح الله بالألم؟ قصة "صانع الفخار" والدرس الذي لم يتوقعه أحد

شارك المقالة
صانع فخار عجوز يعمل في ورشة هادئة تتخللها أشعة الشمس، يجسد حكمة الخالق في التعامل مع النفس البشرية والابتلاء.

صانع الفخار وشرارات النار: هل يظلم الله من يتألم؟

سلسلة قصص تحصينية - قصص ضد الإلحاد (1)

1. صراع في ورشة الفخار: السؤال الذي يطاردنا جميعاً

كانت السماء ملبدة بغيوم رمادية، تشبه تماماً تلك الغيمة التي سكنت عقل "ياسين". وقف الشاب الثلاثيني أمام باب مشغل الفخار القديم في أطراف المدينة، يتردد في الدخول. لم يكن ياسين يبحث عن آنية للزينة، بل كان يهرب من "ضجيج العدم" الذي بدأ يغزو عقله بعد مشاهدته لتقرير إخباري مرعب عن ضحايا زلزال مدمر، وصور لأطفال يصرخون تحت الأنقاض بلا ذنب.

دخل ياسين، فاستقبله صوت عجلة الفخار وهي تدور بانتظام رتيب، وصديقه "عمر" غارق في طين يغطي يديه حتى المرفقين. لم يلقِ ياسين السلام كعادته، بل رمى سؤاله كحجر ثقيل في بركة راكدة: "عمر.. أخبرني بصدق، كيف يستقيم إيمانك بإله رحيم، مع صورة ذلك الطفل الذي فَقَد عائلته وأطرافه في الزلزال؟ إذا كان الله موجوداً، وقادراً على منع هذا، فلماذا لم يفعل؟ أليس الصمت أمام الألم.. قسوة؟"

إضاءة تحصينية (1): فخ القياس الخاطئ

أكبر خطأ يقع فيه المشكك هو "أنسنة الإله"، أي محاكمة أفعال الله بمعايير الأخلاق البشرية المحدودة. نحن نحكم على الفعل بظاهره اللحظي، بينما يحكم الخالق بالفعل وفق غايته النهائية وعلمه المحيط بكل شيء. الرفض العاطفي للألم ليس دليلاً عقلياً على عدم وجود الله، بل هو دليل على فطرة الإنسان التي تنشد الكمال والعدل، وهو كمال لا يتحقق إلا بوجود إله عادل يعوض المظلومين.

2. منطق الصانع: هل يدرك الطين سرّ العجين؟

توقف عمر عن العمل. مسح يديه بخرقة مبللة، ونظر إلى ياسين بعينين يملؤهما الهدوء لا الارتباك. أشار له بالجلوس على مقعد خشبي متهالك، ثم أمسك بكتلة من الطين البارد الصمغية. "ياسين.. انظر إلى هذه الطينة. لو أن لها لساناً ينطق، وصُبَّ عليها الماء بقوة، ثم بدأت يداي تعصرانها وتضغطان على أطرافها بعنف وهي تدور بسرعة جنونية على هذه العجلة.. ماذا سيكون ظنها بي؟ ستظنني وحشاً يتلذذ بتشويه كيانها البسيط. هي ترى الفعل ضغطاً وألماً، وأنا أراه تصميماً سيخرج منها أجمل ما فيها".

قاطعه ياسين بحدة: "لكننا بشر يا عمر، لسنا طيناً! نحن نتألم، ننزف، ونكسر!". رد عمر بأسى: "وهذا هو جوهر القضية. نحن نرى جزءاً ميكروسكوبياً من اللوحة الكبرى. تخيل لو أنك دخلت إلى غرفة عمليات وشاهدت طبيباً يمسك بمشرط حاد ويشق بطن إنسان ينزف.. لو حكمت بالظاهر ستقول هذا مجرم، لكن لو علمت أنه يستأصل ورماً قاتلاً ستقول هذا منقذ. الفرق بين الحكمين هو العلم بالغاية. مشكلتنا أننا نريد أن نحاكم الخالق المطلق بعقولنا المخلوقة المحدودة التي لا ترى أبعد من لحظتها الراهنة".

إضاءة تحصينية (2): حكمة الابتلاء

الدنيا في التصور الإسلامي ليست دار جزاء بل دار اختبار. الألم فيها ليس شراً محضاً، بل هو "أداة صقل". تماماً كما تُصقل المعادن بالنار لتصبح نقية، تُصقل الأرواح بالابتلاء لتظهر معادنها الحقيقية من صبر وشكر وتضرع. بدون هذا الضغط، لبقي الإنسان في حالة من الغرور والاستغناء التي تمنعه من الترقي الروحي والخضوع لخالقه.

3. لغز آلام الأطفال: هل تنتهي القصة عند الموت؟

صمت ياسين قليلاً، ثم طرح السؤال الذي يمزق قلبه: "وماذا عن الأطفال؟ الطفل الذي يموت لا يخرج من الابتلاء بشخصية أقوى، هو ببساطة يموت! أين الحكمة هنا؟". أخذ عمر نَفَساً عميقاً وأجاب: "هنا يكمن الفرق الجوهري. في منطق الإلحاد، الطفل المتألم هو ضحية عبثية لا عزاء لها، انتهت قصته في التراب وذهب ألمه سدى. أما في الإيمان، نحن لا نؤمن بنهاية القصة عند الموت. نحن نؤمن بقانون التعويض الإلهي".

وتابع عمر: "هذا الطفل الذي لم يأخذ نصيبه من الدنيا، ينتظره خلودٌ يُنسيه في أول لحظة منه كل زفرة ألم زفرها في الأرض. ألم الأطفال والضعفاء هو أيضاً ابتلاء للمحيطين بهم؛ هل سيرحمون؟ هل سيتحركون؟ الألم هو المحرك الذي يُخرج أجمل ما في الإنسانية من تضحية وإيثار. لو كان العالم جنة كاملة منذ البداية، لما كانت هناك قيمة للشجاعة، ولا معنى للصبر، ولا جدوى من العمل الصالح وتخفيف آلام الآخرين".

إضاءة تحصينية (3): الإلحاد لا يحل مشكلة الشر

من المثير للسخرية أن الملحد يستخدم "الشر" لإنكار وجود الله، لكنه بإلحاده هذا لا يحل المشكلة، بل يجعلها أسوأ! الملحد يقول للأم الثكلى: "ابنك مات عبثاً، ولن يقتص له أحد". أما المؤمن فيقول لها: "ابنك في كفالة الرحمن، وسيكون شفيعاً لكِ، والظالم سينال جزاءه". الإيمان وحده هو الذي يجعل للألم معنى ولالعدالة مستقراً نهائياً.

4. الجبر الإلهي: كيف نرى النور وسط العاصفة؟

أمسك عمر بإناء فخاري رائع الجمال، مزخرف بدقة، وقدمه لياسين قائلاً: "هذا الإناء مرّ بالنار، وبالضغط، وبالعجن. لولا ذلك لظل طيناً تحت الأقدام. هكذا نحن، قد نُكسر في الدنيا، لكن الكسر عند الله هو بداية الجبر، والشر في عيوننا هو مجرد ظلال لخير أعظم لا ندركه الآن". خرج ياسين من المشغل، وبينما كانت قطرات المطر تلامس وجهه، لم يعد يراها عدواناً من الطبيعة، بل رآها غيثاً يحيي الأرض الميتة.. تماماً كما أحيت كلمات عمر قلبه الذي كاد أن يقتله اليأس.

خلاصة التحصين

إن وجود الشر في العالم ليس دليلاً على غياب الخالق، بل هو دليل على وجود دار أخرى للجزاء. الدنيا هي "المقدمة" والآخرة هي "المتن"، ولا يمكن الحكم على رواية من مقدمتها فقط. كن على يقين أن الله الذي وضع الرحمة في قلوبنا، هو أرحم بنا من أنفسنا.

أسئلة شائعة حول مشكلة الشر

1. هل وجود الشر ينفي وجود الله الخالق؟

على العكس تماماً، فاعتراضنا على "الشر" ينبع من شعورنا الفطري بوجود "معيار مطلق للعدل والخير"، وهذا المعيار لا يمكن أن يوجد في عالم مادي صدفوي، بل يستلزم وجود خالق هو مصدر الكمال والعدل. الشر في الدنيا هو "استثناء" يثبت القاعدة، وجزء لا يتجزأ من حكمة الاختبار البشري.

2. ما ذنب الأطفال في الحروب والكوارث الطبيعية؟

الطفل في المنظور الإسلامي ليس ضحية عبثية؛ فألمه مؤقت وجزاؤه أبدي. الله تعالى يعوض هؤلاء الأطفال في الآخرة نعيماً ينسيهم كل لحظة ألم، كما أن معاناتهم تكون ابتلاءً لقلوب البالغين من حولهم: هل سيرحمون، هل سيغيثون، وهل سيؤمنون بالعدالة الإلهية التي تكتمل في الدار الآخرة؟

3. لماذا لم يخلق الله عالماً خالياً من الألم والشرور؟

لأن العالم الخالي من الألم هو "الجنة" التي نرجو الوصول إليها، أما "الدنيا" فهي مضمار للسباق والاختبار. بدون وجود احتمالات للشر والألم، لا يمكن للإنسان أن يختار الخير بصدق، ولما ظهرت فضائل مثل الصبر، التضحية، الشجاعة، والرحمة؛ فالفضيلة لا تُعرف إلا بمجاهدة ضدها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق