لغز "رسالة الشاطئ": هل الكون مجرد رمية نرد؟
سلسلة قصص تحصينية - قصص ضد الإلحاد (2)
1. لقاء على رمال الحيرة
كان "خالد" شاباً مفتوناً بعالم البرمجة، يرى الوجود كله مجرد أسطر من الأكواد. لكنه في الآونة الأخيرة، بدأ يتأثر بموجة تقول إن "كل هذا الجمال والتعقيد في الكون هو نتاج صدفة عمياء تراكمت عبر ملايين السنين". جلس خالد مع أستاذه "د. حليم" على شاطئ البحر في لحظة غروب، وقال بلهجة الواثق: "يا دكتور، العلم يفسر كل شيء الآن.. الكون لا يحتاج لمصمم، العشوائية مع الوقت الكافي يمكنها إنتاج أي نظام!".
ابتسم الدكتور حليم، ولم يرد مباشرة. بدلاً من ذلك، سار بضع خطوات على الرمل الناعم، ثم انحنى وأخذ غصناً صغيراً وكتب جملة طويلة بدقة مذهلة: "مرحباً بك يا خالد، كنت بانتظارك هنا لنتحدث". ثم نظر إلى الأمواج وهي تقترب، وسأل خالد: "ما رأيك في هذه الجملة؟ هل يمكن أن تكون الرياح العاتية وحركة الأمواج هي من حفرتها بهذا الشكل الدقيق على الرمل بالصدفة؟".
إضاءة تحصينية (1): قانون القصد والنظام
العقل البشري مبرمج فطرياً على أن "النظام يستلزم ناظماً"، وأن "المعلومات تستلزم مصدراً". الصدفة قد تنتج كومة من الرمل، لكنها أبداً لا تنتج "قصيدة" أو "رسالة". الكون الذي نعيش فيه ليس مجرد تراكم للمادة، بل هو "نظام معلوماتي" فائق الدقة، مما يجعل نسبة نشوئه بالصدفة أصعب رياضياً من احتمال كتابة طفل لقاموس لغوي عبر العبث بأزرار الآلة الكاتبة.
2. احتمالات المستحيل وبروتينات الحياة
ضحك خالد وقال: "دكتور، هذه جملة من كلمات، أما الكون فمادة وفيزياء!". رد الدكتور بهدوء: "بل الكون أعقد يا خالد. هل تعلم أن احتمال تشكّل بروتين واحد مفيد للحياة عن طريق الصدفة هو 1 من رقم أمامه 160 صفراً؟ هذا في لغة الرياضيات يسمى المستحيل المطلق. نحن نتحدث عن كود وراثي (DNA) في جسدك يحتوي على معلومات لو طُبعت في كتب لملأت آلاف المجلدات. هل يمكن لشركة برمجيات أن تدعي أن (نظام ويندوز) نشأ لأن الكهرباء ضربت مخازن السيليكون فجأة؟".
بدأ الارتباك يظهر على وجه خالد، فتابع الدكتور: "العلماء يتحدثون عن الضبط الدقيق (Fine-Tuning)؛ لو اختلفت قوة الجاذبية أو سرعة تمدد الكون بمقدار جزء من مليار مليار جزء، لما وُجدت النجوم ولا الكواكب ولا أنت الآن لتجادلني. الكون ليس (نردًا) أُلقي، بل هو (سيمفونية) كُتبت نوتاتها بعناية إلهية فائقة".
إضاءة تحصينية (2): برهان الضبط الدقيق
الفيزياء الحديثة اكتشفت أن هناك أكثر من 40 ثابتاً كونياً لو تغير أحدها بنسبة ضئيلة جداً لانتهت الحياة. هذا يثبت أن الكون "مُعد مسبقاً" لاستقبال الحياة، وليس نتيجة عشوائية. الإلحاد يحاول الهروب من هذا الإتقان باختراع فرضيات مثل "العوالم المتعددة" التي لا دليل عليها، فقط ليتجنب الاعتراف بوجود المصمم الحكيم.
3. الاستنتاج الكبير: العودة إلى الفطرة
ساد صمت طويل، لم يقطعه إلا صوت تكسر الأمواج. نظر خالد إلى الجملة المكتوبة على الرمل، ثم إلى السماء المرصعة بالنجوم التي بدأت تظهر. أدرك أن عقله الذي يقدس المنطق في البرمجة، لا يمكنه قبول العشوائية في "برنامج الكون الأكبر". قال خالد بصوت خفيض: "لطالما اعتقدت أن الإلحاد هو قمة العقلانية، لكنني أكتشف الآن أنه يتطلب (إيماناً أعمى) بالصدف المستحيلة أكثر مما يتطلب الإيمان بالخالق".
أمسك الدكتور حليم بكتف خالد وقال: "يا بني، العلم الحقيقي لا يحجب الله، بل يكشف أثره. كلما تعمقت في فهم (كيف) يعمل الكون، سجد قلبك تعظيماً لـ (من) أبدع هذا العمل. الصدفة خرافة يختبئ خلفها من لا يريد الالتزام بمراد الخالق". غادر خالد الشاطئ، وهو يشعر لأول مرة أن لكل نبضة في قلبه، ولكل ذرة في هذا الكون، معنى وقصداً.. لم يكن صدفة أبداً.
أسئلة شائعة حول الصدفة والخلق
هل يمكن للوقت الطويل أن يحول الصدفة إلى نظام؟
لا، الوقت يعمل ضد الصدفة في الأنظمة المعقدة؛ فالعشوائية تزيد الفوضى (قانون الثرموديناميكا الثاني). إعطاء قرد وقتاً طويلاً أمام آلة كاتبة لن ينتج رواية، بل سينتج أكواماً من الأوراق الممزقة.
لماذا لا نرى المصمم مباشرة؟
نحن لا نرى المبرمج داخل الكود، بل نرى آثاره وذكاءه. غياب رؤية الصانع لا يعني غيابه، بل يعني أن طبيعته تختلف عن طبيعة مصنوعاته، وهذا هو جوهر الاختبار الإيماني.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق